محمد بن جرير الطبري
146
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وبينهم ، فلن يروني ولن أراهم أبدا ؛ وقد كنا تواثقنا أن لا نفترق في حياة ولا موت أبدا . يا ليت شعري ما هو فاعل بي ؟ أقاتلي هو أم لا ؟ ذلك الذي يحدث به يمليخا نفسه فيما أخبر أصحابه حين رجع إليهم . فلما انتهى إلى الرجلين الصالحين أريوس وأسطيوس ، فلما رأى يمليخا أنه لم يذهب به إلى دقينوس ، أفاق وسكن عنه البكاء ؛ فأخذ أريوس وأسطيوس الورق فنظرا إليها وعجبا منها ، ثم قال أحدهما : أين الكنز الذي وجدت يا فتى ؟ هذا الورق يشهد عليك أنك قد وجدت كنزا فقال لهما يمليخا : ما وجدت كنزا ولكن هذه الورق ورق آبائي ، ونقش هذه المدينة وضربها ، ولكن والله ما أدري ما شأني ، وما أدري ما أقول لكم فقال له أحدهما : ممن أنت ؟ فقال له يمليخا : ما أدري ، فكنت أرى أني من أهل هذه القرية ، قالوا : فمن أبوك ومن يعرفك بها ؟ فأنبأهم باسم أبيه ، فلم يجدوا أحدا يعرفه ولا أباه ؛ فقال له أحدهما : أنت رجل كذاب لا تنبئنا بالحق ؛ فلم يدر يمليخا ما يقول لهم ، غير أنه نكس بصره إلى الأرض . فقال له بعض من حوله : هذا رجل مجنون فقال بعضهم : ليس بمجنون ، ولكنه يحمق نفسه عمدا لكي ينفلت منكم ؛ فقال له أحدهما ، ونظر إليه نظرا شديدا : أتظن أنك إذ تتجانن نرسلك ونصدقك بأن هذا مال أبيك ، وضرب هذه الورق ونقشها منذ أكثر من ثلاث مئة سنة ؟ وإنما أنت غلام شاب تظن أنك تأفكنا ، ونحن شمط كما ترى ، وحولك سراة أهل المدينة ، وولاة أمرها ، إني لأظنني سآمر بك فتعذب عذابا شديدا ، ثم أوثقك حتى تعترف بهذا الكنز الذي وجدت . فلما قال ذلك ، قال يمليخا : أنبئوني عن شيء أسألكم عنه ، فإن فعلتم صدقتكم عما عندي ؛ أرأيتم دقينوس الملك الذي كان في هذه المدينة عشية أمس ما فعل ؟ فقال له الرجل : ليس على وجه الأرض رجل اسمه دقينوس ، ولم يكن إلا ملك قد هلك منذ زمان ودهر طويل ، وهلكت بعده قرون كثيرة فقال له يمليخا : فوالله إني إذا لحيران ، وما هو بمصدق أحد من الناس بما أقول ؛ والله لقد علمت ، لقد فررنا من الجبار دقينوس ، وإني قد رأيته عشية أمس حين دخل مدينة أفسوس ، ولكن لا أدري أمدينة أفسوس هذه أم لا ؟ فانطلقا معي إلى الكهف الذي في جبل بنجلوس أريكم أصحابي . فلما سمع أريوس ما يقول يمليخا قال : يا قوم لعل هذه آية من آيات الله جعلها لكم على يدي هذا الفتى ، فانطلقوا بنا معه يرنا أصحابه ، كما قال . فانطلق معه أريوس وأسطيوس ، وانطلق معهم أهل المدينة كبيرهم وصغيرهم ، نحو أصحاب الكهف لينظروا إليهم . ولما رأى الفتية أصحاب الكهف يمليخا قد احتبس عليهم بطعامهم وشرابهم عن القدر الذي كان يأتي به ، ظنوا أنه قد أخذ فذهب به إلى ملكهم دقينوس الذي هربوا منه . فبينما هم يظنون ذلك ويتخوفونه ، إذ سمعوا الأصوات وجلبة الخيل مصعدة نحوهم ، فظنوا أنهم رسل الجبار دقينوس بعث إليهم ليؤتي بهم ، فقاموا حين سمعوا ذلك إلى الصلاة ، وسلم بعضهم على بعض ، وأوصى بعضهم بعضا ، وقالوا : انطلقوا بنا نأت أخانا يمليخا ، فإنه الآن بين يدي الجبار دقينوس ينتظر متى نأته . فبينما هم يقولون ذلك ، وهم جلوس بين ظهري الكهف ، فلم يروا إلا أريوس وأصحابه وقوفا على باب الكهف . وسبقهم يمليخا ، فدخل عليهم وهو يبكي . فلما رأوه يبكي بكوا معه ؛ ثم سألوه عن شأنه ، فأخبرهم خبره وقص عليهم النبأ كله ، فعرفوا عند ذلك أنهم كانوا نياما بأمر الله ذلك الزمان كله ، وإنما أوقظوا ليكونوا آية للناس ، وتصديقا للبعث ، وليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها . ثم دخل على أثر يمليخا أريوس ، فرأى تابوتا من نحاس مختوما بخاتم من فضة ، فقام بباب الكهف ؛ ثم دعا رجالا من عظماء أهل المدينة ، ففتح التابوت عندهم ، فوجدوا فيه لوحين من رصاص ، مكتوبا فيهما كتاب ، فقرأهما فوجد فيهما : أن مكسلمينا ، ومحسلمينا ، ويمليخا ، ومرطونس ، وكسطونس ، ويبورس ، ويكرنوس ، ويطبيونس ، وقالوش ، كانوا فتية هربوا من ملكهم دقينوس الجبار ، مخافة أن يفتنهم عن دينهم ، فدخلوا هذا الكهف ؛ فلما أخبر بمكانهم أمر بالكهف فسد عليهم بالحجارة ، وإنا كتبنا شأنهم وقصة خبرهم ، ليعلمه من بعدهم إن عثر عليهم . فلما قرأوه ، عجبوا وحمدوا